محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

142

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

مقامات المقرّبين فيوجدك مواجد العارفين فيكون مزيدك منه أعمال القلوب التي يستعمل بها كل محبوب مطلوب ، لأن القناعة به حال الموقن ، والأنس به مقام المحبّ ، والرضا وصف المتوكّل ، أي : إنما أنت عنده في طبقة أصحاب اليمين فمزيدك منه مزيد العموم من أعمال الجوارح . وهذه إشارة إلى ما قلناه من أفضلية أعمال القلوب على أعمال الجوارح ، فمن وفّقه اللّه تعالى إلى منازلة هذه المقامات وتوفية حقوقها في البلايا النازلة به فقد حصل على كنوز البرّ . وذكر أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم التجيبي القرطبي المالكي ، رحمه اللّه ، في كتاب « النصائح » له : « أن عروة بن الزبير « 1 » ، رضي اللّه عنه ، امتحن بقرحة « 2 » في ساقه بلغت به إلى نشر عظم ساقه في الموضع الصحيح منها ، فقال له الأطباء : ألا نسقيك مرقدا « 3 » فلا تحسّ بما نصنع بك ؟ فقال : لا ، ولكن شأنكم بها . فنشرت الساق ، ثم حموها بالنار ، فما حرّك عضوا ، ولا أنكروا منه ، حتى مسّته النار ، فما زاد على أن قال : حسبي . وأصيب حينئذ ابنه محمد ، وكان من أحبّ ولده إليه ، فلما رأى القدم بيد بعضهم قال : أما إن اللّه تعالى يعلم أني لم أمش بها إلى معصية قط . ثم قال : يا غلام ، اغسلها وكفّنها وادفنها في مقبرة المسلمين . ثم جعل يقول : لئن أفنيت لقد أبقيت ، ولئن ابتليت لقد عافيت ، ولئن أخذت لطالما أعطيت . وذكر « ابن قتيبة » « 4 » في « عيون الأخبار » « 5 » له عن « المدائني » قال : « قدم رجل من

--> ( 1 ) عروة بن الزبير ( 22 - 93 ه - 643 - 712 م ) بن العوام الأسدي القرشي أبو عبد اللّه أحد الفقهاء السبعة بالمدينة ، كان عالما بالدين ، صالحا كريما ، لم يدخل في شيء من الفتن وانتقل إلى البصرة ، ثم إلى مصر فتزوج وأقام بها سبع سنين ، وعاد إلى المدينة فتوفي فيها . ( الأعلام 4 / 226 ، وحلية الأولياء 2 / 176 ، وتهذيب الكمال 13 / 7 ، ووفيات الأعيان 3 / 255 ) . ( 2 ) القرحة : الجرح المتقادم الذي فسد واجتمع فيه القيح ( ج ) قرح وقروح . ( 3 ) مرقدا : شيء يشرب فينوّم من سربه ويرقده . ( 4 ) ابن قتيبة ( 213 - 276 ه - 828 - 889 م ) عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة الدينوري ، أبو محمد ، من أئمة الأدب ، ومن المصنفين المكثرين ، ولد ببغداد وسكن الكوفة ، ثم ولي قضاء الدينور مدة ، فنسب إليها ، وتوفي ببغداد . من كتبه « عيون الأخبار » و « الإمامة والسياسة » وغيرهما . ( الأعلام 4 / 137 ، ووفيات الأعيان 3 / 42 - 44 ) . ( 5 ) كتاب « عيون الأخبار » مجلد كبير مشتمل على أبواب كثيرة تجتمع في عشرة كتب . صنفه في الأدب والمحاضرات دالا على معالي الأمور مرشد الكريم الأخلاق ، زاجرا عن الدناءة والقبح ، باعثا على الصواب والتدبير ورفق السياسة . والكتاب لقاح عقول العلماء ونتائج أفكار الحكماء والمتخير من كلام البلغاء وفطن الشعراء وسير الملوك وآثار السلف . ( كشف الظنون 2 / 1184 ) .